كيف سيتأثر مستخدمو الإنترنت حول العالم إذا استهدفت إيران كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز؟
تخيل أنك استيقظت اليوم لتجد أن منصات التواصل الاجتماعي متوقفة، معاملاتك البنكية الدولية معلقة، وحتى خدمات "السحابة" التي تعتمد عليها في عملك أصبحت مفقودة .
المشكلة تكمن في أن العالم يركز على مضيق هرمز كشريان للنفط، بينما يتجاهل كونه "عنق الزجاجة" الرقمي الأخطر في القرن الحادي والعشرين.
في هذا المقال، نأخذك في رحلة تحت الأعماق لنكتشف كيف يمكن لقرار سياسي واحد أن يعيد العالم إلى "عصر ما قبل الإنترنت".
في هذا المقال ستجد إجابة مفصّلة لسؤال صار ملحًّا: ماذا سيحدث للإنترنت حول العالم إذا استهدفت إيران الكابلات البحرية في مضيق هرمز؟ من الضربة الأولى للشبكة، إلى تأثيرها على البنوك والأسواق وحياتك اليومية .
مضيق هرمز: ليس فقط شريان النفط بل شريان الإنترنت أيضًا
معظم الناس يعرفون مضيق هرمز كممرٍّ لناقلات النفط. لكن ما يغيب عن الأذهان هو ما يجري في قاع ذلك المضيق: شبكة كثيفة من الكابلات البحرية للإنترنت تربط قارات بأكملها.
وفقًا لموقع Submarine Cable Map التابع لشركة TeleGeography المتخصصة في رصد الكابلات البحرية العالمية، تمر 7 كابلات رئيسية عبر منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، وبعضها يعبر المضيق في اتجاهين مختلفين. وتشير التقارير إلى أن الحرب الجارية تهدد ما يصل إلى 17 كابلًا بحريًا تمتد بين الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، تحمل ما يقارب 80% من حركة الإنترنت العالمية عبر هذا الممر الجغرافي الحساس.
والخطر هنا مزدوج: فمضيق هرمز وحده يُقدَّر بأن نحو 17% من حركة الإنترنت الدولية تعبر من أو قريبًا منه، بما في ذلك ثلث حركة الإنترنت القادمة من الهند باتجاه أوروبا.
أما إذا أضفنا مضيق باب المندب المجاور حيث تمر نسبة تصل إلى 90% من السعة بين أوروبا وآسيا فإن السيناريو يتحول إلى كارثة تقنية بكل المقاييس.
ما هي كابلات الإنترنت البحرية ولماذا مضيق هرمز مهم؟
أكثر من 95% من البيانات الدولية تمر اليوم عبر كابلات ألياف ضوئية ممدودة في قاع البحار والمحيطات، بطول يتجاوز 1.5 مليون كيلومتر. هذه الكابلات هي البنية التحتية الحقيقية للإنترنت العالمي، وليست الأقمار الصناعية كما يعتقد كثيرون. تقارير متخصصة مثل تقارير TeleGeography وSubmarine Networks توضح أن الخليج العربي ومضيق هرمز يمران عبرهما أنظمة كابلات تربط:
- دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عُمان) بأوروبا وأمريكا.
- الهند وجنوب آسيا بأسواق أوروبا والخليج.
- شرق أفريقيا والمحيط الهندي بالشبكات الأوروبية.
الكابلات المعرّضة للخطر: من هي وماذا تحمل؟
لنكن واضحين هذه ليست كابلات مجهولة الهوية. هي بنية تحتية رقمية تحمل اسمك عندما تسجّل الدخول لبريدك الإلكتروني:
| الكابل | المسار | الأهمية الاستراتيجية |
|---|---|---|
| FALCON | مصر ← الخليج ← الهند (10,300 كم) | الشريان الرئيسي لدول الخليج مع الهند ومنطقة المتوسط |
| SEA-ME-WE 6 | جنوب شرق آسيا ← الشرق الأوسط ← أوروبا (21,700 كم) | سعة تصميمية 126 تيرابت/ثانية — العمود الفقري لمرور البيانات آسيا-أوروبا |
| 2Africa | يربط 33 دولة عبر إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا (45,000 كم) | أطول كابل بحري في العالم — يخدم 3 مليارات شخص عند اكتماله |
| AAE-1 | آسيا ← إفريقيا ← أوروبا عبر خليج عدن | تعرض للضرر فعليًا في أزمة البحر الأحمر 2024 |
| GBICS/MENA | ربط العراق والكويت وقطر والإمارات بمراكز البيانات العالمية | شريان الاتصال الداخلي لدول الخليج مع العالم |
| Tata TGN-Gulf | يربط دول خليجية متعددة | حلقة اتصال احتياطية حيوية في المنطقة |
| Fiber-In-Gulf (FIG) | قطر ← عمان ← الإمارات ← البحرين ← السعودية ← الكويت ← العراق | يربط 7 دول خليجية — تطوير أورادو بتكلفة 500 مليون دولار |
كل واحد من هذه الكابلات يحمل كميات من البيانات تُقاس بالتيرابت في الثانية. أعطال متزامنة في 3 منها كافية لإحداث اضطراب عالمي غير مسبوق.
لماذا يصعب إصلاح الكابلات في مناطق النزاع؟
الكابل البحري ليس كالكابل الكهربائي يسهل إصلاحه بل يتطلب سفينة متخصصة، وفريق هندسي، وأسابيع من العمل في أفضل الأحوال. خبراء اللجنة الدولية لحماية الكابلات ICPC يشيرون إلى أن 70% من أعطال الكابلات البحرية ليست هجمات متعمدة، بل حوادث من مراسي السفن وشباك الصيد. هذا في زمن السلم.
في زمن الحرب، حين يتحول المضيق إلى مسرح عمليات، يصبح الإصلاح شبه مستحيل وشركات التأمين العالمية ترفض تغطية الكابلات في مناطق النزاع المسلح أصلًا.
هل إيران قادرة فعلًا على قطع هذه الكابلات؟
السؤال المقلق الذي يطرحه أي شخص . والإجابة، للأسف تثير القلق.
خبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني المهندس وليد حجاج صرّح لإذاعة سبوتنيك بأن إيران تمتلك قدرات بحرية غير تقليدية تشمل غواصات صغيرة، وغواصات غير مأهولة، وفرق غواصين مدربين للعمل في مياه الخليج ومضيق هرمز.
وأضاف أن منع أي عمليات تخريب بشكل كامل أمرٌ بالغ الصعوبة، وإن كانت تقنيات القياس الحديثة قادرة على تحديد موقع الانقطاع فور حدوثه.
الأخطر من ذلك أن إيران لا تحتاج لعملية "جيمس بوند" تحت الماء. فوضى الحرب نفسها كافية: سفينة متضررة، مرساة مسحوبة فوق مسار كابل، طائرة مسيّرة سقطت في مياه ضحلة كل هذه سيناريوهات ترجيحية أكثر من "عملية تخريب مخططة". والنتيجة في كلا الحالتين: كابل مقطوع وإنترنت معطل.
وبحسب تقارير نشرتها وكالة دويتشه فيله الألمانية، فقد لوّحت إيران صراحةً باستهداف البنية التحتية التكنولوجية للدول المعادية، مما رفع مستوى التهديد من احتمالي إلى معلن.
ماذا سيحدث للإنترنت العالمي؟ اليك السيناريو المتوقع
دعني آخذك معي خطوة بخطوة عبر ما ستبدو عليه الساعات والأيام والأشهر التالية ان حدث ذلك في مضيق هرمز.
المرحلة الأولى: الـ 72 ساعة الأولى — الاضطراب والبدائل الطارئة
حين يُقطع كابل بحري، لا تنقطع الشبكة فورًا — الإنترنت مصمم ليُعيد توجيه نفسه عبر بروتوكول BGP (Border Gateway Protocol). لكن هذه العملية تستغرق ساعات، وخلالها ستشعر بـ:
- تباطؤ حاد في المواقع والتطبيقات خاصة تلك التي تخدم مسار آسيا-أوروبا
- اضطرابات في مكالمات الفيديو وخدمات البث
- تأخر في معالجة المعاملات المالية الدولية عبر SWIFT
- زيادة حادة في التأخر الزمني (Latency) — قد يرتفع من 80ms إلى 200ms وأكثر على مسار الهند-أوروبا
- تقلبات في أسواق الأسهم مع بدء تسعير المخاطر الجديدة
المرحلة الثانية: من أسبوع إلى 3 أشهر — الأزمة تتعمق
هنا تبدأ الصورة الحقيقية تتضح. خدمات الحوسبة السحابية كـ AWS وGoogle Cloud وMicrosoft Azure تعتمد على ربط مناطقها الجغرافية بكابلات بحرية محددة. المناطق المستضافة في الخليج وجنوب آسيا ستعاني من عزل جزئي عن بقية الشبكة العالمية.
الأثر على القطاعات المختلفة يتشكل هكذا:
- القطاع المالي: تأخر تسويات SWIFT التي تربط 11,000 مؤسسة مالية في 200 دولة، اضطرابات في أنظمة التداول الخوارزمي التي تعتمد على أجزاء من الميلي-ثانية
- شركات التكنولوجيا الكبرى: خسائر في إيرادات الإعلانات، تراجع في أسهم Apple وMeta وGoogle وMicrosoft بشكل حاد
- قطاع تقنية المعلومات: شركات التعهيد الخارجي في جنوب آسيا ستخسر إنتاجيتها، وقد تواجه غرامات SLA مع عملائها الأوروبيين والأمريكيين
- الذكاء الاصطناعي والحوسبة: خدمات مثل ChatGPT وCopilot التي تعتمد على مراكز بيانات في المنطقة ستتأثر
المرحلة الثالثة: ما بعد 3 أشهر — إعادة رسم الخريطة الرقمية العالمية
إذا استمر النزاع، لن تعود الكابلات البحرية في الخليج الممر المفضل لبيانات العالم. هذا ليس تضخيمًا بل هو ما يحدث بالفعل. شركة Meta أعلنت عن مشروع Waterworth — كابل بطول 50,000 كم ، يتجنب الشرق الأوسط تمامًا ويربط الولايات المتحدة بالهند وجنوب إفريقيا والبرازيل. المشكلة أن هذا المشروع يحتاج سنوات.
في المدى البعيد، ستتسارع الاستثمارات في طرق بديلة كـ "الممر الأوسط" عبر كازاخستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ومشروع الكابل القطبي Polar Connect الذي منحه الاتحاد الأوروبي تمويلًا إضافيًا من برنامج Connecting Europe Facility.
تأثير الأزمة على مستخدمي الإنترنت منطقة بمنطقة
الشرق الأوسط ودول الخليج: الضربة الأشد
دول الخليج هي الأكثر هشاشة فهي تملك محطات إنزال الكابلات نفسها التي ستتأثر. الإمارات والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت، التي تستثمر مليارات الدولارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وتطمح لأن تكون مراكز تقنية عالمية، ستواجه ضربة مزدوجة: انقطاع الاتصال الدولي + ارتفاع تكاليف الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات جراء ارتفاع أسعار النفط المصاحب للأزمة.
وفقًا لتقرير Submarine Networks، ارتفعت عقود النفط الخام نوع برنت بنسبة 42.3% منذ ما قبل الأزمة، فيما قفزت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 57%. هذا مباشرةً يضرب اقتصاديات مراكز البيانات التي تُعدّ تكاليف الكهرباء أكبر بنودها التشغيلية.
جنوب آسيا والهند: الأكثر تعرضًا للخطر
الهند دولة تستحق فصلًا منفردًا في هذه القصة. أكثر من 70% من نطاقها الترددي الدولي يمر عبر كابلات تخترق منطقة الخليج والبحر الأحمر.
وفي الوقت الذي تطمح فيه الهند لتصبح مركزًا لمراكز البيانات بحجم 270 مليار دولار، فإن هذا الطموح مربوط بالكامل بالاتصال الغربي الذي يمر عبر ممرات تحت الخطر المباشر.
ومن الأرقام التي تجعل الصورة أوضح:
- قطاع تقنية المعلومات الهندي يُصدّر ما يزيد على 250 مليار دولار سنويًا وهو مرتبط ارتباطًا عضويًا بجودة الاتصال الدولي
- تحويلات دول الخليج للهند تتجاوز 30 مليار دولار سنويًا وستواجه تأخيرات في أوقات أزمة الاتصال ذاتها
- 800 مليون مستخدم للإنترنت في الهند سيشعرون بالتباطؤ في خدمات المحتوى الدولي
أوروبا: أزمة بالوكالة
أوروبا لن تعيش الانقطاع الكامل، لكنها لن تكون بمنأى عن التأثير. الكابلات المتجهة من آسيا نحو أوروبا عبر الخليج ومضيق المندب تمثل الممر ذا الكثافة الأعلى في العالم. أي اضطراب فيها سيُعيد توجيه حركة ضخمة عبر كابلات المحيط الهادئ وأفريقيا، مما يخلق ازدحامًا على طول الطريق.
وللإشارة، فإن مشروع SEA-ME-WE 6 البالغة سعته التصميمية 126 تيرابت/ثانية كان مقررًا تشغيله عام 2026 لتعزيز هذا الممر لكن الأزمة الحالية جمّدت العمل فيه بشكل غير محدد.
أمريكا الشمالية والصين: تأثير غير مباشر لكنه مؤثر
لدى كل منهما شبكات بديلة أقوى ، الولايات المتحدة عبر المحيط الهادئ، والصين عبر "الحزام والطريق الرقمي". لكن حركة البيانات العالمية مترابطة، والضغط على الكابلات البديلة سيُحدث ازدحامًا وتأخرًا حتى في أبعد المناطق. أسعار خدمات الحوسبة السحابية العالمية ستشهد ارتفاعًا ملحوظًا.
هل الأقمار الصناعية (مثل Starlink) قادرة على إنقاذ الموقف؟
الإنترنت الفضائي عبر أقمار مدار منخفض (LEO) مثل Starlink وOneWeb يُطرح دائمًا كحل احتياطي. فعلاً يمكن لهذه الشبكات أن:
- تقدم اتصالاً بديلاً مؤقتًا في حالات الطوارئ، خصوصًا لخدمات حكومية أو عسكرية أو بنوك مركزية.
- تدعم مناطق معزولة أو جزر تعتمد تاريخيًا على كابل واحد أو كابلين فقط.
لكن الدراسات والمقالات المتخصصة، ومنها BetterWorldCampaign وLegacyIAS، تؤكد أن الأقمار الصناعية لا تستطيع حاليًا استبدال الكابلات البحرية بالكامل للأسباب التالية:
- سعة الكابلات البحرية تصل لعشرات التيرابت في الثانية لكل نظام، بينما الأقمار تقدم جزءًا صغيرًا من هذه السعة.
- تكلفة توفير اتصال بالأقمار الصناعية لملايين المستخدمين والمؤسسات الكبيرة باهظة، وغير واقعية حاليًا كبديل دائم.
- البعد السياسي والأمني: الاعتماد على شركة خاصة للتحكم في شريان بيانات دولة كاملة يثير مخاوف سيادية.
لذلك، الأقمار تصلح كـ«خطة ب» جزئية، وليست «بديلًا كاملًا» للمحيطات المليئة بالألياف.
ماذا يحدث لمشاريع الكابلات الضخمة المخطط لها؟
الأضرار لا تطال الكابلات الموجودة فحسب بل تصيب أيضًا المشاريع العملاقة التي كان من المقرر أن تُشكّل الإنترنت في السنوات القادمة:
مشروع 2Africa Pearls — توقف قسري
تحالف 2Africa بقيادة Meta كان يمد أطول كابل في التاريخ (45,000 كم). الجزء الخاص بالخليج — 2Africa Pearls — الذي سيخدم عُمان والإمارات وقطر والسعودية والبحرين والكويت والعراق وباكستان والهند، توقف العمل فيه. سفينة مد الكابلات Île de Batz أصبحت حرفيًا عالقة قبالة سواحل الدمام. شركة Alcatel Submarine Networks (ASN) الفرنسية أصدرت إشعارات قوة قاهرة (Force Majeure) لعملائها — وهو ما يعني رسميًا أنها لا تستطيع الالتزام بالعقود بسبب ظروف خارجة عن إرادتها.
SEA-ME-WE 6 — تأجيل مفتوح
هذا الكابل الذي طوله 21,700 كم وسعته 126 تيرابت/ثانية، كان جاهزًا للتشغيل في يونيو 2027. الآن مصيره معلّق بلا موعد محدد. وتأخيره سيزيد الضغط على الكابلات الحالية لتستوعب حركة بيانات متنامية بلا قدرة احتياطية كافية.
WorldLink — مشروع توقف قبل أن يبدأ
هذا المشروع بقيمة 700 مليون دولار للربط بين أبوظبي والعراق وتركيا كان مبنيًا على فكرة أن الخليج الفارسي ممر رقمي آمن. هذه الفرضية انتهت. المشروع انتهى معها.
ما البدائل المطروحة؟
الأزمة تدفع العالم للتفكير خارج الصندوق الجغرافي المعتاد:
الممر الأوسط عبر آسيا الوسطى
يمتد هذا الطريق من كازاخستان عبر بحر قزوين إلى أذربيجان وجورجيا ثم تركيا أو البحر الأسود إلى أوروبا. نحو 7,000 كيلومتر، وتحدياته عديدة: عبور بحري على بحرين داخليين، وتضاريس جبلية، وعبور حدود متعددة. لكنه يتجنب روسيا وإيران والخليج — وهذا يجعله خيارًا مقبولًا جيوسياسيًا.
الكابل القطبي — حلم بات ضرورة
مشروع Polar Connect لمد كابل تحت القطب الشمالي بين أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا يُجسّد فكرة كانت مجنونة قبل عامين. الآن حصل على دعم أوروبي إضافي بـ5 ملايين يورو من برنامج Connecting Europe Facility ويُصنّف كـ "مشروع كابل ذو مصلحة أوروبية" (CPEI). تكلفته ضعف الكابلات التقليدية، وتحدياته التقنية هائلة — لكن الأزمة جعلته ضرورة استراتيجية لا رفاهية تقنية.
الممر الشمالي عبر روسيا — الخيار الأرخص
من الناحية التقنية البحتة، الطريق الروسي هو الأسرع والأرخص البنية التحتية موجودة والتقنيات مجربة.
المشكلة الوحيدة أن العقوبات المفروضة على روسيا جراء حرب أوكرانيا تجعل هذا الخيار محرجًا سياسيًا للغرب. لكن إذا تواصل إغلاق الخليج والبحر الأحمر معًا، قد تضطر الحسابات الاستراتيجية لإعادة النظر.
الخلاصة – ما الصورة الواقعية لما قد يحدث؟
استهداف إيران لكابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز لن يؤدي على الأرجح إلى «إطفاء الإنترنت عن العالم»، لكنه سيخلق «اختناقًا رقميًا» قاسيًا تتضرر منه بالدرجة الأولى:
- دول الخليج، بسبب تموضعها في قلب المسارات بين آسيا وأوروبا.
- الهند ودول جنوب آسيا، لاعتمادها الكبير على خدمات تصدير البرمجيات والدعم الفني.
- شرق أفريقيا وأوروبا الغربية، بسبب مرور جزء مهم من بياناتها عبر الخليج والبحر الأحمر.
ستحاول الشبكة العالمية أن تعيد توجيه نفسها عبر مسارات أطول وأقل كفاءة، ما يعني إنترنت أبطأ، وخدمات رقمية أقل استقرارًا، وخسائر اقتصادية قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات إذا طال أمد الأزمة. الحل ليس في انتظار «إنترنت فضائي سحري»، بل في بناء بنية تحتية أكثر تنوعًا ومناعة، على مستوى الكابلات والأقمار والسياسات الدولية، حتى لا يبقى مصير سرعة اتصالك في يد كابل واحد يمر من نقطة اختناق جيوسياسي مثل مضيق هرمز.
أسئلة شائعة
ما عدد الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز؟
بحسب موقع Submarine Cable Map التابع لشركة TeleGeography، تمر 7 كابلات رئيسية عبر منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، من أبرزها: FALCON وSEA-ME-WE 6 وGBICS/MENA وFiber-In-Gulf وTata TGN-Gulf وAAE-1 وكابل 2Africa. وبعضها يعبر المضيق في أكثر من اتجاه. وإذا أضفنا الكابلات التي تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فقد يصل العدد إلى 17 كابلًا تتحمل مجتمعةً ما يقارب 80% من حركة الإنترنت العالمية في هذا الممر.
هل يمكن لإيران قطع كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز؟
نعم، لدى إيران القدرة التقنية على ذلك. تمتلك الجمهورية الإسلامية غواصات صغيرة ومركبات غير مأهولة وغواصين مدربين يستطيعون العمل في مياه الخليج ومضيق هرمز. كما أن فوضى الحرب وحدها — من مراسٍ سفن مسحوبة وحوادث عرضية — قادرة على إلحاق الضرر بالكابلات دون تخريب متعمد. وقد صرحت إيران علنًا بتهديد استهداف البنية التحتية التكنولوجية "للدول المعادية".
ماذا سيحدث للإنترنت عالميًا إذا قُطعت كابلات هرمز؟
لن ينقطع الإنترنت كليًا لأنه مُصمَّم للمرونة وإعادة التوجيه — لكن الأثر سيكون بالغ الخطورة. في الـ72 ساعة الأولى: تباطؤ حاد وتأخر في الاتصالات والمعاملات المالية. خلال أسابيع: اضطرابات في خدمات الحوسبة السحابية والأنظمة المصرفية الدولية. على المدى البعيد: إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية للكابلات العالمية وتسريع الاستثمار في طرق بديلة. التكلفة الاقتصادية قد تصل إلى 10-15 مليار دولار يوميًا في حالة انقطاع شامل لمدة 30 يومًا.
هل يمكن لستارلينك أو الأقمار الاصطناعية تعويض قطع الكابلات البحرية؟
لا، ليس بالقدر الكافي. سعة شبكة ستارلينك الكاملة لا تصل إلى 1% من سعة الكابلات البحرية العالمية. كما أن الأقمار الاصطناعية تتميز بتأخر زمني أعلى (20-40ms مقابل 6ms للألياف الضوئية)، مما يجعلها غير مناسبة للتداول المالي عالي الترددات ولكثير من التطبيقات الحساسة. الأقمار الاصطناعية تصلح كنظام احتياطي طارئ للاتصالات الأساسية، لكنها لا تستطيع استيعاب حجم الإنترنت العالمي.
كم من الوقت يستغرق إصلاح كابل بحري مقطوع؟
في ظروف مثالية وأمان كامل، يستغرق الإصلاح من أسبوعين إلى 3 أشهر حسب عمق الكابل وموقعه. في المياه الضحلة قد يكون أسرع، في الأعماق الكبيرة أبطأ. لكن في مناطق النزاع المسلح، الإصلاح يصبح شبه مستحيل — سفن الإصلاح محدودة عالميًا، وشركات التأمين ترفض تغطية العمليات في مناطق الحرب. للمقارنة: إصلاح كابلات البحر الأحمر بعد أضرار 2024 استغرق ما يقارب 6 أشهر.
ما البدائل المتاحة لمسارات كابلات الإنترنت في حالة إغلاق هرمز؟
ثلاثة مسارات رئيسية يتحدث عنها المخططون الاستراتيجيون: (1) الممر الأوسط عبر آسيا الوسطى (كازاخستان-أذربيجان-جورجيا-تركيا) يتجنب روسيا وإيران والخليج. (2) كابل Polar Connect القطبي الذي سيربط أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية عبر القطب الشمالي بحلول 2030. (3) المسارات الإفريقية عبر رأس الرجاء الصالح التي تطول لكنها تتجنب منطقة النزاع. مشروع Meta الجديد "Waterworth" يُجسّد هذه الفكرة بكابل 50,000 كم يتجاوز الشرق الأوسط كليًا.